مقالات وآراء

في ذكرى اكتشاف الحمض النووي DNA.. 

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏٣‏ أشخاص‏، و‏أشخاص يبتسمون‏‏بقلم الكاتب الروائي الجزائري مولود بن زادي

مقالته في صحيفة “الحياة اليوم” الجزائرية :
متابعة عبدالله القطاري من تونس

هل يستطيع اختبار الأسلاف تحديد أصولنا العرقية؟

يصادف يوم 25 نيسان /أبريل الذكرى الخامسة والستين لاكتشاف الحمض النووي، المعروف اختصاراً بالإنكليزية DNA. كان ذلك عام 1953 على أيدي البيولوجي جيمس واتسون والفيزيائي فرانسيس كريك. وبعد مرور أكثر من نصف قرن، إلى أي حد استفاد الإنسان من هذا الاكتشاف؟ وهل سيمكِّن البشر من معرفة أنسابهم وماضيهم؟

ما هو الحمض النووي:

الحمض النووي الريبي منقوص الأوكسجين Deoxyribo Nucleic Acid جزيء مسؤول عن تخزين المعلومات الوراثية وترجمتها إلى بروتينات. ويوجد في نواة خلايا جميع الكائنات الحية بدءا من البكتيريا والفطريات والنباتات والحيوانات إلى الإنسان. ويظهر في شكل سلم لولبي مزدوج مؤلّف من شريطين، مكوّنا الكروموسومات التي تحمل الصفات الجسمية والخَلقية للكائنات الحية.

خصائص الحمض النووي:

من ميزات الحمض النووي:

. إمكانية التقاطه من أي مخلفات أدمية سائلة (لعاب، دم، مني) أو أنـسجة (جلد، لحم، عظم، شعر) خاصة في حالة عدم توفر بصمات أصابع.
. إمكانية أخذ البصمة من الآثار الحديثة والقديمة.
. سهولة قراءتها وحفظها في قاعدة البيانات.
. القدرة على مقاومة عوامل التحلل والتعفن والاضطرابات الجوية (حرارة ورطوبة وجفاف…)

الحمض النووي اكتشاف مشترك قديم:

ولو أنّ الاكتشاف ينسب إلى العالمين الإنكليزيين جيمس وفرانسيس، إلاَّ أنّ الأبحاث في هذا الحقل تضرب بجذورها في أعماق التاريخ. فالعالم السويسري فريدريك ميشر (1844-1895) وراء اكتشاف “حمض نووي” في خلايا الدم البيضاء في أواخر الستينات من القرن التاسع عشر.
واكتشف علماء آخرون فيما بعد المكونات التي تشكل جزيئات الحمض النووي، وأدركوا أنه رغم اختلاف الحمض النووي في كل الأنواع، إلا أنه يحتفظ دائمًا ببعض الخصائص. وقد استفاد العالمان البريطانيان من هذه الاستنتاجات كلها.
وقد اتسعت اليوم مجالات استخدام تحاليل الحمض النووي لتشمل:

حقل الطب الشرعي والتحقيق الجنائي:

وذلك بالتقاط البصمة الوراثية انطلاقا من الآثار التي يتركها المتهم في مسرح الجريمة مثل اللعاب والشعر والمني والدم.

الحقل الطبي البيولوجي:

يساعد تحليل البصمة الوراثية على كشف الأمراض الوراثية وفهم طريقة نشأتها في الشخص، بما يتيح له فرصة الوقاية والرقابة واستشارة الطبيب المختص ومعرفة خيارات العلاج. قد يكون ذلك من خلال وصف أدوية مناسبة ناجعة أو اقتراح أنظمة غذائية وتمارين رياضية ملائمة وتغيير نمط الحياة، ما يساعد على اجتناب الأمراض الوراثية وعلاجها والحد من آثارها.
ويستطيع المستهلك أن يطلع على تكوينه البيولوجي بما يسمح له من التحكم أكثر في صحته ورفاهية وحسن إدارة العناية الطبية.

فك ألغاز الماضي:

إن من عجائب الحمض النووي قدرته على البقاء لآلاف السنين، ما سمح بتشخيص بقايا قديمة ما كان الإنسان سيفك ألغازها من غيره.
هكذا استطاع العلماء استخراج الحمض النووي من بقايا إنسان نياندرتال سعياً لمعرفة مراحل تطوره. وبفضل هذه التحاليل، تمكن العلماء من التعرف على بقايا ملك إنكلترا ريتشارد الثالث (1452-1485). إذ لم يكن أحد يعرف هوية العظام القديمة التي أظهرت آثار جراح، والتي تم العثور عليها بالقرب من مدينة ليسيستر بإنكلترا سنة 1913. ليثبت تحليل الحمضيات بعد ذلك أنها لملك إنكلترا الذي قتل في معركة بوسورث ليكون آخر ملك في أسرة يورك يحكم إنكلترا.

التنبؤ بالمستقبل:

تجرى ملايين التحاليل الجينية في أنحاء العالم لأجل تحديد العاهات الوراثية في وقت مبكر من الحياة حتى يمكن بدء العلاج في أقرب الآجال وقبل تطورها. كما تسمح نتائج الاختبارات للأزواج باتخاذ قرارات بخصوص إنجاب أطفال. فبفضل هذه التحاليل يمكن التكهن بما إذا كان الجنين معرض لحالات مثل متلازمة داون أو التثلث الصبغي 21.

اختبارات الأبوة ومعرفة نسب الطفل:

سعى العلماء منذ البداية لاستغلال تقنيات تحليل البصمة الوراثية لإثبات نسب الطفل في إطار الزوجية وخارجها. واليوم تعج المحاكم في الوطن العربي بما لا يُحصى من الدعاوى المرفوعة في قضايا نفي النسب، والتي يرفض أصحابها الاعتراف بالنسب الشرعي لأبنائهم حيث يلعب الحمض النووي دورا حاسما في تحديد الأبوة وتسوية قضايا النسب.

الحمض النووي يكشف أسرارا خفية:

أثارت نتيجة أحد اختبارات النسب ضجة إعلامية في الولايات المتحدة والبلدان الغربية هذه الأيام. تناولتها صحيفة (الواشنطن بوست) بعنوان “امرأة تقول إن اختبار الحمض النووي لـ Ancestry.com يكشف عن أبيها – طبيب خصوبة والديها” (3 أبريل 2018)
فقد فاجأت نتيجة عينة الحمض النووي المرأة الأمريكية (كيلي رولت) عندما أبلغتها بتوافق بصمتها الوراثية وبصمة طبيب يقيم على بعد 500 ميل منها. تعود وقائع القصة إلى عام 1980 حيث وجد والدا رولت (هوورد فاولر) و(سالي آشباي) صعوبة في الحمل. كان فاولر يعاني من نقص الحيوانات المنوية، فاقترح أخصائي النساء (مورتيمر) عليهما حقن السائل المنوي للزوج والسائل المنوي لرجل آخر مجهول الهوية في رحم الزوجة. فالتمس الزوجان أن يكون المتطوع طالباً طويل القامة له عينان زرقوان. وأبلغهما الطبيب مورتيمر بعد ذلك أنه وجد المتطوع المناسب، لكنه في آخر الأمر استخدم منيه في العملية دون إذن. وهكذا بالمصادفة ومن خلال اختبار النسب، انكشف سرٌّ ظلّ خفيا لعشرات السنين وانكشف مع ذلك الأب الحقيقي لكيلي رولت، الطبيب المكلف بعلاج والدتها نفسه، وانكشف أيضا ما اقترفه هذا الأخصائي في حق هذه الفتاة والأسرة وشرف المهنة. وتتواصل هذه القضية اليوم في محكمة المقاطعة الأمريكية في ولاية ايداهو.

اكتشاف الأسلاف والأقارب:

اختبار الأسلاف: تقوم به مراكز مختصة تملك قاعدة بيانات حمض نووي واسعة وتقنيات متطورة. واليوم يلقى هذا التحليل اهتماماً متزايداً في أرجاء الدنيا. ويتم من خلاله مقارنة التكوين الجيني لشخص ما بتكوين أناس آخرين من خلال فحص عينة حمضه النووي مقارنة بملايين العينات الأخرى المحفوظة في قاعدة البيانات القادمة من مختلف أنحاء العالم.

وقد اخترتُ شخصيا إجراء هذا الاختبار قبل أسابيع من باب الفضول وبإلحاح بعض أفراد أسرتي المتعطشين لمعرفة التكوين الجيني للأسرة، ورغبة في الرد بطرق علمية لا تدع مجالا للشك والجدل على شعوذة أنصار التعصب العرقي الذين يسعون لفرض آرائهم وعرقهم على غيرهم دون أدلة علمية. وأيضاً إيماناً بعدم وجود نسب خالص للجنس البشري متنوع الألوان والأعراق والخصائص الأخرى، والموجود على سطح هذا الكوكب منذ آلاف السنين، والمعروف بالاختلاط والتزاوج والترحال والكرّ والفرّ… بما لا يدع مجالا للشك في اختلاط تكويننا العرقي. ورغبتُ ،في الأخير، التحقق من صحة معلومة تتناقلها أسرتي لأجيال بأن أحد أجدادي من جهة الأم من أصل أوربي إيطالي/روماني.

فاتصلت بموقع ancestry.com وهو أكبر مركز مختص في هذا النوع من الاختبارات ويملك أكبر قاعدة بيانات في العالم. وأرسلت عينة لعاب بالبريد من لندن إلى عنوان بجمهورية إيرلندا. بعدها بأيام وصلتنا رسالة إلكترونية تؤكد وصول العينة وتكفل المكتب بتحويلها إلى مخبر مختص في الولايات المتحدة. وتطلعت رفقة أفراد أسرتي إلى نتائج الاختبار. وكان بعضهم يتساءل بفضول “ماذا إذا كان أصلنا من هذا البلد أو ذاك؟!” محلقين في سماء الشرق الأوسط وأدغال أفريقيا السوداء وبلاد الهند وأقصى شرق آسيا… وكنت دائما أردد “لا تهم أصولنا العرقية وإنما مشاعرنا الإنسانية” وكنتُ أؤمن بأنّ “الإنسانية لا تفضّل أحداً على الآخر.. ولا تميّز بين البشر لاختلاف الأصل أو العرق أو اللون أو الدين أو الجنس أو التوجه الجنسي أو اللسان أو المقام الاجتماعي.. وهي بذلك مثل الأم الحنون التي لا تستطيع أن تميّز بين أبنائها من لحمها ودعمها. فكل واحد منهم قريب إليها، ” وكنت مقتنعا في أعماق نفسي أن نتائج الاختبار لن تغير نظرتي إلى نفسي ولست أرى نفسي غير بشر بين كل البشر المتفرقين في أنحاء الدنيا.

وبعد أسابيع قليلة، وصلتنا رسالة إلكترونية تبلغنا بنتائج التحليل من خلال رابط خاص.

بدت النتائج منطقية تعكس البيئة التي نشأت فيها وتاريخها كما تعكس ملامحي الفيزيولوجية: 38% شمال أفريقيا + 15% الشرق الأوسط. كما أكد الاختبار الأصل الأوربي من جانب الأم 27% أوربا الجنوبية + 9% شبه جزيرة أيبيريا.
وفي كل الأحوال فإنّ تحاليل الحمض النووي التي حققت خلال عقود قليلة نتائج باهرة وإنجازات مذهلة تعد بمستقبل زاهر للبشرية جمعاء، لا سيما مع تطور العلوم وتطوير تقنيات الاختبارات وزيادة حجم قاعدة البيانات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق