الأدب والثقافة

من رواية “الخطيفة” لـ :أنيس الزين

متابعة عبدالله القطاري من تونس

عندما نزل المطر فجأة تأكدت أن السماء تبارك هذا اللقاء ، و لأنني لم أكن أحمل معي مطرية وقعت في الحبّ منذالرعشة الأولى .
اقترب مني و حواني بذراعه اليمنى ثمّ نثرني على صدره حبّات مطر على نافذة ابن الجيران .
توزّعت فيه حتى سرى دم دافئ في جسدي و أحسست برغبة جامحة في البكاء فقبّلني .

لم أعرف قبل اليوم أن للقبلة سحر البدايات ،
لم أكن أعلم أن القبلة أصل الحياة و أنني كنت ميتة في أحضان من مروا بجسدي و من عبروا.

قبلة واحدة ، كانت كافية لتجعلني أسعد نساء الكون ، فقط قبلة واحدة ، جمّعت ما تبقّى منّي في الطريق إلى شفتيه .
لم يكن الأمر صعبا، خطأ البدايات هو الذي يحملنا الى أوطان سوف تلفظنا .

عليّ أن أتوقّف عن التفكير و الا أفسدت القضية ، قضية الانسان في كلّ الأوقات ، الحب .
و حتى أبتعد عن هذه الوساوس، سألته:
– هل قبّلتني ؟
– لا أدري، كنت مسحورا بالمطر .
– تحبّ المطر ؟
– أحبّ الانتظار تحت المطر .
– و هل انتظرتني؟
– انتظرتك مطرا غزير ا و سيولا .
– نهرا إذن ؟
– دهرا, نعم .
– لم لم تصارحني قبل اللحظة .
– الحبّ في الحرمان أيضا .
– تحبّني ؟
– الإجابات تقتل الأحاسيس .
– فهمت .
– أنا أيضا فهمت .
– فهمت ماذا ؟
و ابتسمت أنتظر الجواب ، لكن شفتيه سبقت لسانه فقبّبلني موسما أو موسمين حتّى احترقنا.
لم أعد أذكر بعد ذلك كيف خرجنا من الكلّية و افترقنا .

عندما وصلت البيت سألت أمي :
– هل أبدو جميلة ؟
قالت لي كعادتها “أنت أجمل البنات ” ، و أنا لا تعجبني هذه العبارات الجافة و لا هذه الجمل الركيكة التي تصلح لكل مكان و زمان ، أحب سماع إطراء جديد ، إطراء يليق بي ، على قياسي ، اطراء لم يفز به غيري .
أكره القوالب الجاهزة و الأكلات الجاهزة و الخطابات الجاهزة تلك التي يكتبها موظفون بمقابل ليقولها المسؤل حتى يظهر مسؤولا .

لم تكن علاقتي بأمي تلك العلاقة العادية التي تربط الأم بابنتها، لم أكن أشعر أبدا بذلك الدفء لذي يتحدث عنه الشعراء و الأدباء في وصف الأم،كانت علاقتي بها منذ وعيت علاقة فاترة و كانت جدتي للأب هي من عوّضني عن حنان الأمومة المفقود ، فقد كانت الحضن الدافئ و الملاذ الحقيقي كلما صدمتني الحياة .

و لم تكن حياتي كذلك، كما يعتقد المتفرّجون و المتابعون لأخبار النجمة هند زاهية و ملوّنة.
فقدت أخي التوأم و أنا في السابعة من عمري و قد شكّل رحيله أعظم حدث حصل لي في حياتي،بعد أن اتُّهموني بأنني كنت السبب في وفاته ، أو هكذا ظنّوا .

كانت أمي أوَّل من وجّهت لي الاتهام ، و كان ذلك أوَّل شعور بالظلم أتلقّاه من أقرب مخلوق لي في هذه الدنيا .
ولدت قبل شقيقي بربع يوم ، و كانت تلك الساعات الستّ كافية – بالنسبة للجميع و خاصة أمي- لتجعلني المسؤول الأوّل عن أي حادث يتعرض له .
لا تزال كلماتها و هي توصيني بالاعتناء بشقيقي تسكن فيّ الى يوم الناس هذا :” لا تتركيه يغيب عن عينيك لحظة” ، و لكنني في لحظة غيّبته عن هذه الدنيا مدى الحياة ، عندما صدمته سيارة مساعد المخرج الذي جاء كعادته لنقلي إلى استوديو التصوير من أمام المدرسة ، عندما كان يحاول اللحاق بي و لم يتفطن السائق أنه سقط تحت عجلات سيارته.

لم أكن أعرف وقتها معنى الموت و لا هول المصيبة لكنّني تعلَّمت أوَّل درس لي في الحياة، تعلّمت أن أقسى أنواع العقاب هو الظلم المسلط عليك من أشخاص يذهب في اعتقادك أنهم أوّل المدافعين عن قضيّتك .
كان حجم الظلم الذي تعرضت له من قبل أمي أكبر من أن يتحمّله قلب طفلة رقيقة، و تعلَّمت بعد ذلك كيف أخفي ضعفي و قلّة حيلتي و دموعي أيضا عن مغتصبي .

#أنيس_الزين_سيجارتان_و_نصف

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق