AL QASSAM
03-10-2010, 03:29 PM
http://t3.gstatic.com/images?q=tbn:H2qLb281gpJ4oM:http://www.d3designgroup.com/crying_man.jpg
في ليلة لا تسمع فيها إلا صوت الرعد القاصف ،
وهيجان الريح المرعب . في ليلة انطفأت فيها الأنوار وأظلم البيت وانعدمت الكهرباء . في ليلة ممطرة باردة . في ليلة اسودَّ ليلها وغابت نجومها .
في ليلة حرك رعبها قلبي ، وهز بردها جسمي ، لا أرى مد يدي ،
ظلام حالك وجو مرعب ، أغلقت شباك غرفتي لأقلل وحشتي ،
أنفاسي تتقطع في صدري ، لا أحد حولي ، ولا أمي ولا أبي ،
ولا أختي ولا أخي ، وحيداً فريداً مرعوباً خائفاً ،
لا أستطيع فتح عيني خوفاً من مصير
لا أعلمه ينتظرني .
وفجأة وإذا بخفقات تزيد ، ونبض دمي يعلو ، فما شعرت إلا وشيء
يكتم أنفاسي ، صحت بأعلى صوتي ، ضاق نَفَسي ، بردت أطرافي ،
هملت يداي ، ناديت يا إخوتي أصدقائي أغيثوني ، ما هذا الذي داهمني
آتوني بطبيبي ، بل بصديقي وأخي وحبيبي ، لكن واحسرتاه ..
واحسرتاه ... أصيح بأعلى صوتي فلا أسمع سوى صدى ندائي
يتردد في أرجاء غرفتي المظلمة .
قلبي يخفق بأعجوبة ، كأني أتنفس من خرم إبرة . أيقنت عندها أنه جاء يطلبني ،
توسلت إليه ليمهلني لينظرني ولو ساعة من نهار ، لكن دون جدوى ،
كان شديداً غاضباً مني ، عيناه تحكي حقده عليَّ ، رفض توسلي إليه ،
قال بأعلى صوته : ألم تعرفني ؟ ألم تسمع بي ؟ قلت : بلى ... أنتَ من جاء
ليغمض عيني ويلفني بأكفاني ، بل ويبعدني عن أهلي وأحبابي ،
أنت من جاء ليخطفني من بين أشرطتي وقنواتي ،
ويدمر تسليتي بألعابي .
ردَّ بصوت مخيف : إنك راحل ، وإلى مطار تعرفه مسافر .
زادت آلامي ، وحُبست في جوفي أحرفي قبل كلماتي .
انتهرني قائلاً لِمَ تنساني ، لِمَ تنساني ....
ارتجت كلماتي وخانني لساني ، ما فكرت يوماً أنك تطلبني ، ما فكرت
يوماً أنك تطرق بابي لتعيدني لصوابي ، وتغلق صفحة حياتي ،
وتقطع استمتاعي بشبابي .
عندها تذكرت أنها صيحات فراق ، وآلام وداع ، أودع الدنيا راحلاً إلى
مطار أرضه غير مرصوفة ، وسادته التراب ، ومستقبلوه الدود ، وغطاؤه اللحود ،
برده شديد يفتك العظام ، يقطع الأوصال ، يمحو الملامح والشباب ،
وتسيل منه العينان على الخدان ، ويتدلى منه اللسان ، نداؤه لا يُسمع ،
وتوسله لا يُجاب ، إذاً قد أصبح بينه وبين الدنيا حجاب ...
صحتُ بأعلى صوتي : آهٍ ... لو أعود .
سحبت جسمي وأسندت ظهري على جدار غرفتي المرعب وأنا أشعر
بالوهن والمرض يدبُّ إلي . هل هو الموت؟
هل انتهت أيامي وجاء لقائي بربي ؟
حزنت ... بكيت ... رفعت صوتي , أيقنت أن لا أحد يسمعني .
شبح الموت يتراءي أمام ناظري , تدحرجت دموعي على خدي ,
خوفاً وهلعاً أن أفارق الحياة وأنا في ريعان الشباب .
آهات وآلام تحفز دموع الندم , لتقول لي:كم من متعة استمتعتها ,وشريط
غناء سمعته , وصلاة تكاسلت عنها , ارتعش لساني وخرجت كلماتي
: بأي وجه أقابل ربِّي ؟ كيف أعتذر وقد خنته ؟
هل سيعفو عني أم سيلقي بي غير مبالٍ إلى النار؟ الأسئلة الملحة تطاردني ,
والحسرة والندم ينهشان قلبي . سأهرب ولكن إلى أين ؟ الدنيا كلها لن
تخفيني ممن يطاردني , لساني يلهث يردد رحماك ربِّي ... إلهي أتوسل إليك
أمهلني لازلت في ريعان شبابي , سفينة حياتي تتحطم على صخرة النهاية .
الموت يدكها .. يحطمها .. يكسرها بشراسة كأن بينه وبينها عداوة ...
رحماك ربي .
وما هي إلا لحظات وإذا بباب البيت يفتح مبشراً بوصول أهلي , فرحت فرحاً
لا يوصف , استجمعت أنفاسي ودَّبت الحياة لأعضائي , تحرك لساني ,
ناديتهم بأعلى صوتي , وهو يطاردني جاثم على صدري ,
أمي الحبيبة أدركيني ... حبيبك يغادر الدنيا , تودع آخر أنفاسه الحياة .
أمي الحبيبة أدركيني ... حبيبك أنفاسه محجوزة ,
ومن الموت مفزوعة , أمي الحنون أين أنتِ عني ؟ أين حنانك مني؟
بل أين حبٌّك لي؟ أماه امنعيني ومن الموت أجيريني .. حبيبك يموت ...
أماه مُدِّي لي يدك اعلق فيها آخر أنفاس الحياة . أماه مُدِّي لي يدك أقبِّلها ..
أودعها ... أشمّ فيها رائحة المحبة .
أمي الحبيبة سامحيني كم تطاولت يوماً عليك .
http://t1.gstatic.com/images?q=tbn:R4TN_4q7ituLGM:http://forum.te3p.com/images/images_thumbs/c203cdd4c74dbf8cd45e1f651cbd115e.jpg
أماه إنها لحظات الوداع وزفرات الفراق . دنت مني أمي ودموعها تكاد تغرقني .
نادتني حبيبي حياتي , أفديك بنفسي , وضعتْ رأسي علي حجرها ,
وأمسكت يدي بيدها , بكاؤها يقطع قلبي ويزيدني ألماً فوق ألمي .
صحت : آه آه يا أماه من شيء يقطع قلبي , يمزق أعضائي , يجري مع دمي ,
بل يا أماه يكسر عظامي .. آه لو تعلمين .. إنه ألم شديد وفراق إلى مدى بعيد ..
زاد بكاؤها ورفعت يديها إلى السماء تدعو إلهي : أمهل حبيبي ليتوب , ليعود .
إلهي لا تخيب رجائي فيك .
مددت يدي لأختي ... لأخي ... لأبي ... تعلقتُ بهم .. وداعاً أحبَّتي..
علا بكاؤهم , وزاد أساهم, يرون آلامي لا تُوصف , تعجز عن وصفها الأقلام ,
ويقف عنها عاجزاً الكلام .. جبال على صدري , وهموم تثقلني ..
إلهي من يفرِّج همي وينفِّس كربتي .. اشتد نزعي , ضاق والله
بها صدري .. ينادونني قل لا إله إلا الله .
وذاك يقول احملوه للمستشفى لازال فيه حياة . حُملت للمستشفى,
واستقبلت بحفاوة , ووضعت بين الأجهزة في غرفة الإنعاش .. هذا بإبرة
وذاك بأكسوجينه , وآخر ينعش بضربات القلب . حاولوا ثم حاولوا . لكن لم
يستطيعوا انتشالي من بين فكي الموت, لقد شدَّ عليَّ بأسنانه
وشدَّ علي بأضراسه .
وبعد ساعات حار الطبيب بعلمه , وانثنى منكساً رأسه معلناً أمام الموت فشله .
خرج لأهلي, دموعه على خده قابضاً يده . تعالوا لتحضروا وفاته .
دخلوا الغرفة كلهم , ولساني يهذي بأمور لا أشعر بها . حكيت لهم قصة حياتي ,
بشريط مسجل على لساني ,
كنتُ مظهراً التزامي وأمامهم مبتعداً عن الملهيات والأغاني , وإذا بهم
يتفاجئون بالحقيقة المرَّة . انكشف الغطاء وبدأ الزيف والافتراء .
حقيقة مُرة وكذبة كبيرة , عشت فيها سنين . تذكرت عندها كلاماً
لسفيان الثوري : أكبر خيانة أن يخونك لسانك عند الموت فلا ينطق بها .
أتعرف ما هي ؟ إنها الشهادة , وفجأة تجمع الأطباء حولي واشتد نزعي ,
وصِحْتُ بأعلى صوتي : آه لو أعود .من منكم يزيدني من عمره
ساعة .. دقيقة .. ثانية ؟
لأكتشف الحقيقة وأحطم زيف الكذبة ,كل منهم ودمعه ينهال
على خديه قابضاً من الحزن يديه .
وفجأة وإذا بأجهزة الأطباء تضطرب وتخفق بسرعة , هوت كلها إلى مؤشر
الصفر معلنة النهاية , فدقت أجراسها خطراً , وعلا صوتها منذراً ,
وانطفأت كلها وفاضت معها روحي . ورأى الكل مصرعي بل
نهاية حياتي وبداية قيامتي ، خرج الجميع من الغرفة وتركوني
وحيداً فريداً في غرفة باردة , تركوني مع أيدٍ غريبة تقلبني وتلفني بأثواب .
ربطوا بها يدي , وشدوا بها رأسي , واستدعوا موظف الثلاجة ليحملني
على عربته وحيداً لا مرافق لي ، تركني أهلي كأنهم خائفون مني مستوحشون
من حالي ، لا جرأ أحد منهم على لمسي ، أدخلت الثلاجة وفتحت لي أبوابها ,
حملني اثنان وعن العربة أنزلوني , وفي الدرج الأول تركوني ,
مكان ضيق كأنه لحد .
أغلقوا علي إغلاقاً محكماً , ثم أقفلوها خارجين و إلي أعمالهم عائدين ,
أطفئوا الأنوار , زاد برد الثلاجة , كل ما فيها أناس صامتون , جيران لا يتكلمون,
لا نفس فيسمع , ولا داعي فيجاب ,كنت أمر بقرب هذا المكان لا أستطيع
النظر إليه خوفاً منه وها أنا اليوم أودع فيها , يالها من نهاية ,
وما هي إلا لحظات وإذا بأبواب تُفتح , ضجيج وأصوات عالية ,
ومن بينهم صوت يقول : أنا أغسله , وآخر أنا أكفنه .
أخرجوني من درجي ووضعوني على مكان غسلي ,
كأنهم خائفون مني , خلعوا ملابسي وستروا عورتي , صبوا الماء فوق
رأسي وغسلوني , قرَّبوا الأكفان ونشروها ثم طيَّبوها , حملت بين أيديهم
ألقوني بينها , بدأوا بتغطية وجهي , أوثقوني بالأربطة ,
ما أشده وأظلمه من غطاء , قبَّلني أبي وأخي , واستدعيت أمي فلم
تتمالك نفسها , حنت رأسها عليَّ وقبَّلتني .
تركوني في ناحية المسجد وحيداً , انتهت الصلاة وتداعى أحبتي :
إلينا بعبد الله فاحملوه وللصلاة قرِّبوه , حُملت بين الأيدي , ورفعت
على الأعناق صلى الناس وخرجوا.
حُملت على الأكتاف تتبعني الدعوات : اللهم ثبَّته عند السؤال ,
أين أصبح أصحابي يا أحبابي , دعوني معكم ولو ليلة , أترمون بي ؟!
قد كنت لكم خادماً أخاً صادقاً , أفي حفرة تودعونني ؟ ضاعت هداياي
لكم وخدماتي ,كم ليلة سامرتكم أضحكتكم صدق فيَّ حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم , حديث قد طرق سمعي لكني لم أعره بالاً ,
تذكرت قوله صلى الله عليه وسلم :
(( إذا وضعت الجنازة واحتملها على أعناقهم , فإن كانت صالحة قالت :
قدِّموني قدَّموني , وإن كانت غير صالحة قالت : يا ويلها أين تذهبون بها ,
يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعها لصُعق ))
[ رواه البخاري والنسائي والبيهقي وأحمد ] .
تنادي جنازتي : دعوني ... دعوني ... أعرف
ما أمامي , إنها أشرطتي
وأفلامي, أنزلوني ... أنزلوني .
أما تسمعون ندائي ... لا أحد يبالي ... وضعوني على شفير القبر وحافته
, أرى قبري يُحفر أمامي . يا أبي أتحفر لي لتواريني ، أنظر إلي قبري
كأني أعرفه موحش , مظلم , مقفر. آه ... يا إلهي ما أوحشة , طين وتراب ,
صخور كبيرة تكتم الأنفاس ، هاهم انتهوا وللطين قربوا ,
نادوا إلينا بالجنازة , حملها الأقربون مسرعين ينتحبون , بكاؤهم يزيد يعلمون
أني مغيب إلى مدى بعيد , أنزلوني , استقبلني أبي وأخي الأكبر , وسدُّوا لي
التراب , وضعوا جنبي بين اللحود . عندها ودَّعت الدنيا . وداعاً أيتها الشمس ,
آه ... أيها الظلام , حلوا رباط أكفاني , قبَّلني أبي ودعا لي , نادوا باللحود
حجارة كبيرة وضعوها فوق رأسي على رجلي وغطوا جسدي ,
أصيح فلا مجيب , أيها الناس أغلقتم منافذ الهواء , فإذا بالنداء لا يقرع
إلا آذاناً صماء . زادوا علي التراب , تراب فوق تراب , الكل يحثو
حتى ردموا الحفرة وأغلقوا معها آخر أنفاس الحياة , تهيأوا للرحيل..
ذهبوا وأبقوني وحيداً , ذهبوا وتركوني أسامر الدود , استقبلني
القبر بضمته , واللحد بغمته , أخذ التراب ينهال على وجهي ,
كفى أيها المستقبلون, أهكذا تستقبلون ضيفكم: ردَّ القبر بصوت
مرعب : أما سمعت في الدنيا ندائي (( ما من يوم يطلع فجره إلا وينادي القبر :
أنا بيت الظلمة , أنا بيت الوحشة , أنا بيت الدود , اسمع إلى ترحيبي :
إذا وُضع العبد الفاجر في جوفي قلت له : لا أهلاً ولا مرحباً , أما والله قد كنت
أبغض من يمشي على ظهري , إلي فقد وليتك اليوم فسترى صنيعي بك .
فأضمه ضمة حتى تختلف أضلاعه , ثم يوكل به سبعون تنيناً ينهشونه
ويخدشونه حتى يفضى به إلى الحساب )) [ كما في سنن الترمذي ] .
هذا هو ندائي أما سمعت به ؟! نعم قد سمعته وطرق أذني ,
ولكني تباعدت اللقاء بل تناسيته . أمهلني أيها القبر لأعود .
انتهرني قائلاً : تعود , كلا قد فات الآوان .
عندها دبَّ الدود على وجهي وبدأ يأكل أكفاني , صحت بأعلى صوتي :
آه . آه لو أعود . آه . آه لو أعود .
استيقظ أبي وفتح باب غرفتي : بُنيّ ما بك ؟ أبي ... أمي ... آه لو أعود .
بنيَّ من أين تعود ؟ أنت في البيت , تعلقت به يا أبي أنقذني , أبعد الدود عن وجهي.
بنيَّ لا تخف أنت في بيتك , تجمع إخواني أنا في صيحة واحدة :
آه لو أعود . أضاءوا الأنوار وإذا بي بينهم ..
تلمست أيديهم , عندها أدركت أنني لازلت على قيد الحياة .
آه يا لله ! يا له من حلم ... ما أبشعه , بل وأوحشه , قد هزَّ كياني أرعبني
ومن الآخرة أدناني , جلست على فراشي ,
ها أنت يا عبد الله في مهلة إذاً فاعمل .
تذكرت الربيع بن خيثم وقبره : حفر له قبراً داخل بيته فكان إذا مالت نفسه إلي الدنيا
نزل في قبره , وإذا ما رأى ظلمة القبر ووحشته صاح { رَبِّ ارْجِعُونِ }
فيسمعه أهله فيفتحون له , وفي ليلة نزل قبره وغطى بغطائه .
فلما استوحش داخله نادى { رَبِّ ارْجِعُونِ } فلم يسمع له أحد . وبعد زمن طويل ,
سمعته زوجته ، فأسرعت إليه وأخرجته . فقال عند خروجه :
( اعمل يا ربيع قبل أن تقول رب ارجعون فلا يجيبك أحد )
[ صلاح الأمة في علو الهمة ]
عرفت أنه لا طريق للنجاة إلا طريق الاستقامة .
كسرت أشرطتي , وحرقت مجلاتي , جددت استقامتي البالية ,
قطعت حبل كل ودٍّ بزملائي القدامى, واتجهت إلى ربي : إليك ربي , إليك ربي .
فكلما نويت بمعصية تذكرت تلك الرحلة التي رحلتها ,
فوالله بعدها ما هممت بمعصية ..
؛
؛
فهل تشاركونى يا اصدقاء ؟؟
في ليلة لا تسمع فيها إلا صوت الرعد القاصف ،
وهيجان الريح المرعب . في ليلة انطفأت فيها الأنوار وأظلم البيت وانعدمت الكهرباء . في ليلة ممطرة باردة . في ليلة اسودَّ ليلها وغابت نجومها .
في ليلة حرك رعبها قلبي ، وهز بردها جسمي ، لا أرى مد يدي ،
ظلام حالك وجو مرعب ، أغلقت شباك غرفتي لأقلل وحشتي ،
أنفاسي تتقطع في صدري ، لا أحد حولي ، ولا أمي ولا أبي ،
ولا أختي ولا أخي ، وحيداً فريداً مرعوباً خائفاً ،
لا أستطيع فتح عيني خوفاً من مصير
لا أعلمه ينتظرني .
وفجأة وإذا بخفقات تزيد ، ونبض دمي يعلو ، فما شعرت إلا وشيء
يكتم أنفاسي ، صحت بأعلى صوتي ، ضاق نَفَسي ، بردت أطرافي ،
هملت يداي ، ناديت يا إخوتي أصدقائي أغيثوني ، ما هذا الذي داهمني
آتوني بطبيبي ، بل بصديقي وأخي وحبيبي ، لكن واحسرتاه ..
واحسرتاه ... أصيح بأعلى صوتي فلا أسمع سوى صدى ندائي
يتردد في أرجاء غرفتي المظلمة .
قلبي يخفق بأعجوبة ، كأني أتنفس من خرم إبرة . أيقنت عندها أنه جاء يطلبني ،
توسلت إليه ليمهلني لينظرني ولو ساعة من نهار ، لكن دون جدوى ،
كان شديداً غاضباً مني ، عيناه تحكي حقده عليَّ ، رفض توسلي إليه ،
قال بأعلى صوته : ألم تعرفني ؟ ألم تسمع بي ؟ قلت : بلى ... أنتَ من جاء
ليغمض عيني ويلفني بأكفاني ، بل ويبعدني عن أهلي وأحبابي ،
أنت من جاء ليخطفني من بين أشرطتي وقنواتي ،
ويدمر تسليتي بألعابي .
ردَّ بصوت مخيف : إنك راحل ، وإلى مطار تعرفه مسافر .
زادت آلامي ، وحُبست في جوفي أحرفي قبل كلماتي .
انتهرني قائلاً لِمَ تنساني ، لِمَ تنساني ....
ارتجت كلماتي وخانني لساني ، ما فكرت يوماً أنك تطلبني ، ما فكرت
يوماً أنك تطرق بابي لتعيدني لصوابي ، وتغلق صفحة حياتي ،
وتقطع استمتاعي بشبابي .
عندها تذكرت أنها صيحات فراق ، وآلام وداع ، أودع الدنيا راحلاً إلى
مطار أرضه غير مرصوفة ، وسادته التراب ، ومستقبلوه الدود ، وغطاؤه اللحود ،
برده شديد يفتك العظام ، يقطع الأوصال ، يمحو الملامح والشباب ،
وتسيل منه العينان على الخدان ، ويتدلى منه اللسان ، نداؤه لا يُسمع ،
وتوسله لا يُجاب ، إذاً قد أصبح بينه وبين الدنيا حجاب ...
صحتُ بأعلى صوتي : آهٍ ... لو أعود .
سحبت جسمي وأسندت ظهري على جدار غرفتي المرعب وأنا أشعر
بالوهن والمرض يدبُّ إلي . هل هو الموت؟
هل انتهت أيامي وجاء لقائي بربي ؟
حزنت ... بكيت ... رفعت صوتي , أيقنت أن لا أحد يسمعني .
شبح الموت يتراءي أمام ناظري , تدحرجت دموعي على خدي ,
خوفاً وهلعاً أن أفارق الحياة وأنا في ريعان الشباب .
آهات وآلام تحفز دموع الندم , لتقول لي:كم من متعة استمتعتها ,وشريط
غناء سمعته , وصلاة تكاسلت عنها , ارتعش لساني وخرجت كلماتي
: بأي وجه أقابل ربِّي ؟ كيف أعتذر وقد خنته ؟
هل سيعفو عني أم سيلقي بي غير مبالٍ إلى النار؟ الأسئلة الملحة تطاردني ,
والحسرة والندم ينهشان قلبي . سأهرب ولكن إلى أين ؟ الدنيا كلها لن
تخفيني ممن يطاردني , لساني يلهث يردد رحماك ربِّي ... إلهي أتوسل إليك
أمهلني لازلت في ريعان شبابي , سفينة حياتي تتحطم على صخرة النهاية .
الموت يدكها .. يحطمها .. يكسرها بشراسة كأن بينه وبينها عداوة ...
رحماك ربي .
وما هي إلا لحظات وإذا بباب البيت يفتح مبشراً بوصول أهلي , فرحت فرحاً
لا يوصف , استجمعت أنفاسي ودَّبت الحياة لأعضائي , تحرك لساني ,
ناديتهم بأعلى صوتي , وهو يطاردني جاثم على صدري ,
أمي الحبيبة أدركيني ... حبيبك يغادر الدنيا , تودع آخر أنفاسه الحياة .
أمي الحبيبة أدركيني ... حبيبك أنفاسه محجوزة ,
ومن الموت مفزوعة , أمي الحنون أين أنتِ عني ؟ أين حنانك مني؟
بل أين حبٌّك لي؟ أماه امنعيني ومن الموت أجيريني .. حبيبك يموت ...
أماه مُدِّي لي يدك اعلق فيها آخر أنفاس الحياة . أماه مُدِّي لي يدك أقبِّلها ..
أودعها ... أشمّ فيها رائحة المحبة .
أمي الحبيبة سامحيني كم تطاولت يوماً عليك .
http://t1.gstatic.com/images?q=tbn:R4TN_4q7ituLGM:http://forum.te3p.com/images/images_thumbs/c203cdd4c74dbf8cd45e1f651cbd115e.jpg
أماه إنها لحظات الوداع وزفرات الفراق . دنت مني أمي ودموعها تكاد تغرقني .
نادتني حبيبي حياتي , أفديك بنفسي , وضعتْ رأسي علي حجرها ,
وأمسكت يدي بيدها , بكاؤها يقطع قلبي ويزيدني ألماً فوق ألمي .
صحت : آه آه يا أماه من شيء يقطع قلبي , يمزق أعضائي , يجري مع دمي ,
بل يا أماه يكسر عظامي .. آه لو تعلمين .. إنه ألم شديد وفراق إلى مدى بعيد ..
زاد بكاؤها ورفعت يديها إلى السماء تدعو إلهي : أمهل حبيبي ليتوب , ليعود .
إلهي لا تخيب رجائي فيك .
مددت يدي لأختي ... لأخي ... لأبي ... تعلقتُ بهم .. وداعاً أحبَّتي..
علا بكاؤهم , وزاد أساهم, يرون آلامي لا تُوصف , تعجز عن وصفها الأقلام ,
ويقف عنها عاجزاً الكلام .. جبال على صدري , وهموم تثقلني ..
إلهي من يفرِّج همي وينفِّس كربتي .. اشتد نزعي , ضاق والله
بها صدري .. ينادونني قل لا إله إلا الله .
وذاك يقول احملوه للمستشفى لازال فيه حياة . حُملت للمستشفى,
واستقبلت بحفاوة , ووضعت بين الأجهزة في غرفة الإنعاش .. هذا بإبرة
وذاك بأكسوجينه , وآخر ينعش بضربات القلب . حاولوا ثم حاولوا . لكن لم
يستطيعوا انتشالي من بين فكي الموت, لقد شدَّ عليَّ بأسنانه
وشدَّ علي بأضراسه .
وبعد ساعات حار الطبيب بعلمه , وانثنى منكساً رأسه معلناً أمام الموت فشله .
خرج لأهلي, دموعه على خده قابضاً يده . تعالوا لتحضروا وفاته .
دخلوا الغرفة كلهم , ولساني يهذي بأمور لا أشعر بها . حكيت لهم قصة حياتي ,
بشريط مسجل على لساني ,
كنتُ مظهراً التزامي وأمامهم مبتعداً عن الملهيات والأغاني , وإذا بهم
يتفاجئون بالحقيقة المرَّة . انكشف الغطاء وبدأ الزيف والافتراء .
حقيقة مُرة وكذبة كبيرة , عشت فيها سنين . تذكرت عندها كلاماً
لسفيان الثوري : أكبر خيانة أن يخونك لسانك عند الموت فلا ينطق بها .
أتعرف ما هي ؟ إنها الشهادة , وفجأة تجمع الأطباء حولي واشتد نزعي ,
وصِحْتُ بأعلى صوتي : آه لو أعود .من منكم يزيدني من عمره
ساعة .. دقيقة .. ثانية ؟
لأكتشف الحقيقة وأحطم زيف الكذبة ,كل منهم ودمعه ينهال
على خديه قابضاً من الحزن يديه .
وفجأة وإذا بأجهزة الأطباء تضطرب وتخفق بسرعة , هوت كلها إلى مؤشر
الصفر معلنة النهاية , فدقت أجراسها خطراً , وعلا صوتها منذراً ,
وانطفأت كلها وفاضت معها روحي . ورأى الكل مصرعي بل
نهاية حياتي وبداية قيامتي ، خرج الجميع من الغرفة وتركوني
وحيداً فريداً في غرفة باردة , تركوني مع أيدٍ غريبة تقلبني وتلفني بأثواب .
ربطوا بها يدي , وشدوا بها رأسي , واستدعوا موظف الثلاجة ليحملني
على عربته وحيداً لا مرافق لي ، تركني أهلي كأنهم خائفون مني مستوحشون
من حالي ، لا جرأ أحد منهم على لمسي ، أدخلت الثلاجة وفتحت لي أبوابها ,
حملني اثنان وعن العربة أنزلوني , وفي الدرج الأول تركوني ,
مكان ضيق كأنه لحد .
أغلقوا علي إغلاقاً محكماً , ثم أقفلوها خارجين و إلي أعمالهم عائدين ,
أطفئوا الأنوار , زاد برد الثلاجة , كل ما فيها أناس صامتون , جيران لا يتكلمون,
لا نفس فيسمع , ولا داعي فيجاب ,كنت أمر بقرب هذا المكان لا أستطيع
النظر إليه خوفاً منه وها أنا اليوم أودع فيها , يالها من نهاية ,
وما هي إلا لحظات وإذا بأبواب تُفتح , ضجيج وأصوات عالية ,
ومن بينهم صوت يقول : أنا أغسله , وآخر أنا أكفنه .
أخرجوني من درجي ووضعوني على مكان غسلي ,
كأنهم خائفون مني , خلعوا ملابسي وستروا عورتي , صبوا الماء فوق
رأسي وغسلوني , قرَّبوا الأكفان ونشروها ثم طيَّبوها , حملت بين أيديهم
ألقوني بينها , بدأوا بتغطية وجهي , أوثقوني بالأربطة ,
ما أشده وأظلمه من غطاء , قبَّلني أبي وأخي , واستدعيت أمي فلم
تتمالك نفسها , حنت رأسها عليَّ وقبَّلتني .
تركوني في ناحية المسجد وحيداً , انتهت الصلاة وتداعى أحبتي :
إلينا بعبد الله فاحملوه وللصلاة قرِّبوه , حُملت بين الأيدي , ورفعت
على الأعناق صلى الناس وخرجوا.
حُملت على الأكتاف تتبعني الدعوات : اللهم ثبَّته عند السؤال ,
أين أصبح أصحابي يا أحبابي , دعوني معكم ولو ليلة , أترمون بي ؟!
قد كنت لكم خادماً أخاً صادقاً , أفي حفرة تودعونني ؟ ضاعت هداياي
لكم وخدماتي ,كم ليلة سامرتكم أضحكتكم صدق فيَّ حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم , حديث قد طرق سمعي لكني لم أعره بالاً ,
تذكرت قوله صلى الله عليه وسلم :
(( إذا وضعت الجنازة واحتملها على أعناقهم , فإن كانت صالحة قالت :
قدِّموني قدَّموني , وإن كانت غير صالحة قالت : يا ويلها أين تذهبون بها ,
يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعها لصُعق ))
[ رواه البخاري والنسائي والبيهقي وأحمد ] .
تنادي جنازتي : دعوني ... دعوني ... أعرف
ما أمامي , إنها أشرطتي
وأفلامي, أنزلوني ... أنزلوني .
أما تسمعون ندائي ... لا أحد يبالي ... وضعوني على شفير القبر وحافته
, أرى قبري يُحفر أمامي . يا أبي أتحفر لي لتواريني ، أنظر إلي قبري
كأني أعرفه موحش , مظلم , مقفر. آه ... يا إلهي ما أوحشة , طين وتراب ,
صخور كبيرة تكتم الأنفاس ، هاهم انتهوا وللطين قربوا ,
نادوا إلينا بالجنازة , حملها الأقربون مسرعين ينتحبون , بكاؤهم يزيد يعلمون
أني مغيب إلى مدى بعيد , أنزلوني , استقبلني أبي وأخي الأكبر , وسدُّوا لي
التراب , وضعوا جنبي بين اللحود . عندها ودَّعت الدنيا . وداعاً أيتها الشمس ,
آه ... أيها الظلام , حلوا رباط أكفاني , قبَّلني أبي ودعا لي , نادوا باللحود
حجارة كبيرة وضعوها فوق رأسي على رجلي وغطوا جسدي ,
أصيح فلا مجيب , أيها الناس أغلقتم منافذ الهواء , فإذا بالنداء لا يقرع
إلا آذاناً صماء . زادوا علي التراب , تراب فوق تراب , الكل يحثو
حتى ردموا الحفرة وأغلقوا معها آخر أنفاس الحياة , تهيأوا للرحيل..
ذهبوا وأبقوني وحيداً , ذهبوا وتركوني أسامر الدود , استقبلني
القبر بضمته , واللحد بغمته , أخذ التراب ينهال على وجهي ,
كفى أيها المستقبلون, أهكذا تستقبلون ضيفكم: ردَّ القبر بصوت
مرعب : أما سمعت في الدنيا ندائي (( ما من يوم يطلع فجره إلا وينادي القبر :
أنا بيت الظلمة , أنا بيت الوحشة , أنا بيت الدود , اسمع إلى ترحيبي :
إذا وُضع العبد الفاجر في جوفي قلت له : لا أهلاً ولا مرحباً , أما والله قد كنت
أبغض من يمشي على ظهري , إلي فقد وليتك اليوم فسترى صنيعي بك .
فأضمه ضمة حتى تختلف أضلاعه , ثم يوكل به سبعون تنيناً ينهشونه
ويخدشونه حتى يفضى به إلى الحساب )) [ كما في سنن الترمذي ] .
هذا هو ندائي أما سمعت به ؟! نعم قد سمعته وطرق أذني ,
ولكني تباعدت اللقاء بل تناسيته . أمهلني أيها القبر لأعود .
انتهرني قائلاً : تعود , كلا قد فات الآوان .
عندها دبَّ الدود على وجهي وبدأ يأكل أكفاني , صحت بأعلى صوتي :
آه . آه لو أعود . آه . آه لو أعود .
استيقظ أبي وفتح باب غرفتي : بُنيّ ما بك ؟ أبي ... أمي ... آه لو أعود .
بنيَّ من أين تعود ؟ أنت في البيت , تعلقت به يا أبي أنقذني , أبعد الدود عن وجهي.
بنيَّ لا تخف أنت في بيتك , تجمع إخواني أنا في صيحة واحدة :
آه لو أعود . أضاءوا الأنوار وإذا بي بينهم ..
تلمست أيديهم , عندها أدركت أنني لازلت على قيد الحياة .
آه يا لله ! يا له من حلم ... ما أبشعه , بل وأوحشه , قد هزَّ كياني أرعبني
ومن الآخرة أدناني , جلست على فراشي ,
ها أنت يا عبد الله في مهلة إذاً فاعمل .
تذكرت الربيع بن خيثم وقبره : حفر له قبراً داخل بيته فكان إذا مالت نفسه إلي الدنيا
نزل في قبره , وإذا ما رأى ظلمة القبر ووحشته صاح { رَبِّ ارْجِعُونِ }
فيسمعه أهله فيفتحون له , وفي ليلة نزل قبره وغطى بغطائه .
فلما استوحش داخله نادى { رَبِّ ارْجِعُونِ } فلم يسمع له أحد . وبعد زمن طويل ,
سمعته زوجته ، فأسرعت إليه وأخرجته . فقال عند خروجه :
( اعمل يا ربيع قبل أن تقول رب ارجعون فلا يجيبك أحد )
[ صلاح الأمة في علو الهمة ]
عرفت أنه لا طريق للنجاة إلا طريق الاستقامة .
كسرت أشرطتي , وحرقت مجلاتي , جددت استقامتي البالية ,
قطعت حبل كل ودٍّ بزملائي القدامى, واتجهت إلى ربي : إليك ربي , إليك ربي .
فكلما نويت بمعصية تذكرت تلك الرحلة التي رحلتها ,
فوالله بعدها ما هممت بمعصية ..
؛
؛
فهل تشاركونى يا اصدقاء ؟؟